فخر الدين الرازي
158
تفسير الرازي
في القوة إلى حيث أن كل من قصد تربية أهلكه الله سمي عتيقاً الرابع : أن الله أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين الخامس : أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه الله تعالى من النار وسادسها : المسجد الحرام قال سبحانه : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) * ( الإسراء : 1 ) والمراد من كونه حراماً سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية . فإن قال قائل : كيف الجمع بين قوله * ( إن أول بيت وضع للناس ) * وبين قوله * ( وطهر بيتي للطائفين ) * ( الحج : 26 ) فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس . والجواب : كأنه قيل : البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزّه عن الحاجة ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( مباركاً وهدىً للعالمين ) * . واعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها : أنه أول بيت وضع للناس ، وقد ذكرنا معنى كونه أولاً في الفضل ونزيد ههنا وجوهاً أُخر الأول : قال علي رضي الله عنه ، هو أول بيت خص بالبركة ، وبأن من دخله كان آمناً ، وقال الحسن : هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض وقال مطرف . أول بيت جعل قبلة وثانيها : أنه تعالى وصفه بكونه مباركاً ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : انتصب * ( مباركاً ) * على الحال والتقدير الذي استقر هو ببكة مباركاً . المسألة الثانية : البركة لها معنيان أحدهما : النمو والتزايد والثاني : البقاء والدوام ، يقال تبارك الله ، لثبوته لم يزل ، والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها ، وبرك البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقر ، فإن فسرنا البركة بالتزايد والنمو فهذا البيت مبارك من وجوه أحدها : أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها . قال صلى الله عليه وسلم : " فضل المسجد الحرام على مسجدي ، كفضل مسجدي على سائر المساجد " ثم قال صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه " فهذا في الصلاة ، وأما الحج ، فقال عليه الصلاة والسلام : " من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " وفي حديث آخر " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة وثانيها : قال القفال رحمه الله تعالى : ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى : * ( يجبى إليه ثمرات كل شيء ) * فيكون كقوله * ( إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) * ( الإسراء : 1 ) وثالثها : أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة وليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال